وجوب تعاون المسلمون على البر والتقوى

الثلاثاء 24 ربيع الأول 1439ﻫ

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «… واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» أخرجه مسلم في «صحيحه».

أمر الله -سبحانه وتعالى- بالتعاون على البرِّ والتَّقوى، وأكده رسوله عليه الصلاة والسَّلام بقوله وفعله.

قال -تعالى-: {وتعاونا على البر والتقوى ولا تعاونا على الإثم والعدوان}، فالتَّعاون المحَمود شرعاً هو: ما كان في الله، ولله، وأعان على طاعة الله، وما سوى ذلك فليس من الله في شيء وأصحابه آثمون؛ لتعاونهم على معصية الله سبحانه وتعالى.

والنَّبي –صلى الله عليه وسلم- هو أوَّل واضع للبنة التَّعاون في صرح العمل الإسلامي فهو -عليه الصَّلاة والسَّلام-، وفي أوَّل يوم من هجرته، وفي أوَّل ساعة من وصوله على المدينة المنوَّرة، ندب الصَّحابة -رضي الله عنهم- فشمّروا جميعاً عن سواعد الجدّ، وبدؤوا ببناء المسجد؛ ليكون أول قاعدة من قواعد الدَّعوة الإسلاميّة، وشارك النَّبي –صلى الله عليه وسلم- بنفسه في بناء المسجد؛ ليكون حافزاً قويّاً لهم على العمل الجاد المخلص، وليبيِّن لهم: أنَّ الإسلام دين عملٍٍ وجهادٍ وتعاونٍٍ، وأنَّ القائد المسلم ينبغي أن يكون متواضعاً، وأن لا يستكبر عن العمل مع رجاله وجنده، فلمّا رأى الصّحابة -رضي الله عنهم- نبيَّهم يعمل بيديه الشَّريفتين معهم تفانوا في العمل.

والأمر نفسه قد وقع في حفر الخندق -ذلكم الخندق الطَّويل العظيم الذي احتاج إلى جهد كبير- ولولا مشاركة النَّبي –صلى الله عليه وسلم- بنفسه في العمل لما استطاع الصّحابة -رضي الله عنهم- حفره قبل هجوم الأحزاب عليهم، وقد أدرك النَّبيُّ –صلى الله عليه وسلم- أهميّة التّعاون وعظم أثره في بقاء المجتمعات، فما كان منه –صلى الله عليه وسلم- إلا أن آخى بين المهاجرين والأنصار، فتعاونوا على البِّر والتّقوى، وضربوا بإخائهم أروع الامثلة في المَحبَّة والصدق والإيثار، وحبّ الخير لإخوانهم ما لم يشهد التاريخ له مثيلاً، مما أورث قلوب المهاجرين حبَّ الأنصار، لأن حبّ الأنصار للمهاجرين وتعاونهم معهم وإيثارهم على أنفسهم لم يكن -البتّة- لغرض دُنيوي، وإنّما كان حبّاً في الله وابتغاءاً لمرضاته.

روى البخاري ومسلم عن أنس -رضي الله عنه- أنَّ النَّبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه».

* الأمَّة الإسلاميّة كالبنيان الواحد:

والنَّبي يشبه الأمّة بالبنيان المتراصّ المركب من اللّبِنات، وكلُّ فرد من أمّة النَّبي –صلى الله عليه وسلم- لبنةٌ في هذا البناء، فلا بدَّ لكمال هذا البناء وسلامة بنيانه من سلامة هذه اللّبنات وتماسكها، أمّا إذا تفكّكت وتهلهلت تصدّع البناء وانهار، وكذلك الأمّة الإسلاميّة؛ أفرادها لبناتٌ في المجتمع الإسلامي، لا بدَّ من تضافر جهودهم واجتماع كلمتهم على طاعة الله سبحانه وتعالى وعلى ما يعودُ على أمّة الإسلام من خير.

وما أصاب المسلمين على مرِّ العصور من وهن وضعف وتسلُّط أعدائهم عليهم إلا بعد تفكُّكهم وضعفهم وقلَّة تعاونهم فيما بينهم، والتَّاريخ يشهد لما نقول كما حدث أيام المغول والصَّليبيين، وفي الأندلس وفلسطين، وكذا اليوم في البوسنة والهرسك، والجمهوريات الإسلاميّة -الروسيّة-!!

قال -تعالى-: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}، وقال سبحانه: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} أي: قوتكم.

وقال -عليه الصّلاة والسّلام-: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضهم بعضاً وشبَّك بين أصابعه» متَّفق عليه.

قال القرطبي -رحمه الله تعالى-: «هذا تمثيلٌ يفيد الحضَّ على معاونة المؤمن للمؤمن ونصرته، وأنَّ ذلك أمرٌ متأكدٌ لا بدَّ منه، فإنَّ البناء لا يتمُّ ولا تحصلُ فائدته إلا بأن يكون بعضه يمسك بعضاً، ويُقويّه وإن لم يكن ذلك انحلَّت أجزاؤه وخَرِبَ بناؤه، وكذلك المؤمن لا يستقلُّ بأمر دنياه ودينه إلا بمعاونة أخيه ومعاضدته، فإن لم يكن ذلك عجز عن القيام بكلِّ مصالحه ومقاومة مضارِّه، فحينئذ لا يتمُّ نظام دنياه ولا دينه ويلحقُ بالهالكين».

ومجالات التَّعاون بين المسلمين كثيرة جدّاً، فهم يتعاونون في مساجدهم على طاعة ربّهم، فعلماؤهم يعلِّمونَ عامّتهم ويفقهوهم في دينهم، ويتعاونون في جهادهم على قتال أعدائهم وحماية دينهم وأعراضهم وأوطانهم.

ولقد رأينا ما أصاب المسلمين في بعض ديار الإسلام من هوان شديد ناتج عن تسلُّط الأعداء عليهم، وذلك عندما تخلّى عنهم أبناء دينهم وعقيدتهم، فنال منهم العدوُّ ما نال من قتل وأسر وتشريد، فأصابهم ما أصاب أصحاب الحكاية المشهورة التي تُروى في كتب الأدب الذين قيل فيهم المثل المشهور: «أُكلت يوم أكل الثَّور الأبيض»!
فالعدوُّ الماكر اللّثيم يعرف متى ينقضُّ على هذه الأمّة، فأول عمل يقوم به تشتيت جمعهم، وتفريق كلمتهم، والوقيعة بينهم، فإذا تفرقوا خلا بهم على انفراد، ولقد حذَّر النَّبي من ذلك بقوله -عليه الصّلاة والسَّلام-: «ما من ثلاثة في قرية ولا بادية لا يقيمون صلاة الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة فنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»(1)، أي المتخلِّفة عن القطيع، المنفردة وحدها؛ لأن نجاتها وسلامتها ببقائها مع جماعتها من الأغنام، وكذلك يقال لهذه الأمّة التي تداعت عليها الخصوم والأعداء كتداعي الأكلة إلى قصعتها.
فالاجتماع قوَّةٌ والتَّفرُّق ضعفٌ وتشتُّت وهوان.

تأبى الرِّماح إذا اجتمعن تكسُّراً وإذا افترقن تكسَّرت آحادا

فالتعاون مطلوب من الجميع؛ أفراداً وجماعات، وعلى المستويات كافّة، في البيت، وفي السُّوق، وفي المسجد، وفي الحقل، وفي المصنع، وفي الحرب، وفي السِّلم، وفي كل ميادين العمل.

ولا بدّ من المحبّة والإخاء، لدوام التّعاون بين المسلمين فالنَّفس البشريّة لا تأنس إلا بمن تحبّ، فالأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، ولذلك رغب النّبيُّ –صلى الله عليه وسلم- أمّته أن تتعارف فيما بينها، وأن يزور بعضها بعضا، ووضع حقوقاً للمسلم بأدائها والمحافظة عليها تدخل المودّة إلى قلوبهم؛ فزيارة المريض إذا مرض، وتشميت العاطس إذا عطس، وردُّ السَّلام على من عرفت ومن لم تعرف، ومشاركتهم في أفراحهم، والشعور معهم في مصايبهم وأحزانهم، كلُّ ذلك قواعد متينةٌ لبقاء المودّة بين المسلمين واستمراريتها، وهي سبب مباشر لتعاونهم بعضهم مع بعض.

وعن انُّعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطّفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحُمّى» متّفق عليه.

ففي هذا الحديث تعظيم حقوق المسلمين، والحضُّ على تعاونهم، وملاطفة بعضهم بعضاً.

ويقول -عليه الصّلاة والسّلام-: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا(2)، ولا تباغضوا، ولا تدابوروا(3)، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا: المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يقره، ولا يخذله، التَّقوى ههنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشرِّ أن يحقر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه» رواه مسلم.

فانظر رحمك الله إلى مجتمع سليم من هذه الآفات والأمراض كيف يكون قويّاً سليماً يتعاون أبناؤه فيما بينهم ويتحابّون في الله، وينصر قويهم ضعيفهم!؟ وهذا هو سرُّ فلاح أسلافنا وانتصارهم على أعدائهم وتمكين الله لهم في الأرض.

فهل ندرك -حقيقة- ما كان عليه أسلافنا من التَّعاون وحب الخير للآخرين فنفوز كما فازوا، وبذلك يحقِّقُ الله لنا ما وعدنا في كتابه وسنّة رسوله، نسأل الله أن يكون ذلك قريباً.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.


(1) رواه أبو داود والنسائي عن أبي الدرداء، انظر «صحيح الترغيب والترهيب» (425).

(2) النجش: الزيادة في الثمن بقصد أن يغرّ غيره.

(3) التدابر: التقاطع.