حياة الأمم

الثلاثاء 24 ربيع الأول 1439ﻫ

قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } الآية .
اعلم أخا الإيمان – وفقني الله وإياك – أن الحياة الحقيقية هي حياة الأرواح ، والتي تصفو بالاستجابة لله والرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا حياة لمن لم يستجب لله والرسول ، وإن كان معدوداً من جملة الأحياء !
فالمستجيبون لله والرسول هم الأحياء حقيقة وإن كانت أبدانهم مفقودة ، فأمثالهم في القلوب موجودة ، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء في أبدانهم وحركاتهم .
وقد تنوعت أنظار المفسرين في معنى الحياة الواردة في هذه الآية والجمهور منهم على العموم ؛ كما نقل ذلك القرطبي – رحمه الله – في [الجامع لأحكام القرآن ](7 / 389 ) ، ويؤيده ما أخرجه البخاري عن أبي سعيد بن المعلى – رضي الله عنه – قال : كنت أصلي فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيته فقال : ” ما منعك أن تأتي ؟ ألم يقل الله : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم } ” الحديث .
وقال بعض السلف كعروة بن الزبير : يعني الحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل ، وقواكم بها بعد الضعف ، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم .
قلت : وهذا يصدقه قولُ الله تعالى : {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون } .
فهم – وإن قتلوا في أعين الناس – أحياءٌ حقيقةً عند الله ؛ يأكلون ، ويشربون ويسرحون ، ويمرحون في الجنة ، يتمتعون بنعيمها ، وظلالها ، وأشجارها , وأنهارها .
ولا تعارض بين الأمرين ؛ فالحياة الحقيقية لا تكون إلا بالاستجابة الكاملة لله والرسول ، ووجه هذه الحياة المشرق هو كون المسلمين في عزة ومَنَعة يجاهدون في سبيل الله من انحرف عن منهج الله ؛ ليكون الدين كله لله .
نعم ؛ إن الأمة الإسلامية إنما تحيى بالجهاد الذي يُعِزُّ الله به الإسلام وأهله ، ويذل به الشرك وأهله ، والأمة الإسلامية على مر العصور إنما ذلت حينما تنكبت سبيل الله ، فخالفت أمر الله ورسوله ، وعطلت شعيرة الجهاد ، وهدمت منارتها ، فالجهاد ذروة سنام الإسلام ، به يعز ، وبه يسمو ، وبه يحفظ العرض ، والأرض ، والأبدان ، والأديان ، والأموال .
وقد تجرعت الأمة الإسلامية غصصاً وسامها عدوها سوء العذاب حينما نكست أعلام الجهاد ، ونكلت عن جهاد أعدائها ، وهذا ما أخبر به الرسول حيث قال : ” إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد في سبيل الله ؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم “(1) .
فإحياء معنى الجهاد حقيقة جزء كبير من الرجوع إلى الدين الذي به حياة الأمم والشعوب ، إذ الجهاد من أعظم ما تحيى به الأمة الإسلامية ، وأي حياة للمرء عندما يدنس عرضه ، وينتهب ماله ، وتغتصب أرضه ، ويسام سوء العذاب ؟! إنه وإن كان حياً فهو ميت ، والموت خير له من الحياة .
وقد وعد الله المؤمنين بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة ، وهذا مشروط بالسير على منهج الله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيله : { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } ؛ فالحياة هي حياة الأرواح بإقامة الأديان ، لا حياة الأبدان بتحصيل الشهوات والملذات .
ولكن ينبغي أن نعلم بدءً وانتهاءً أنه لن ينطلق الجهاد في مساره الصحيح الحق إلا إذا حطت الأمة رحالها على الفهم الصحيح لهذا الدين ؛ وهو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده .
فكل جهاد على غير سبيل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فليس بجهادٍ ، وكل حياة على غير هذه الوجهة المُباركة فليست حياةً !!
فاللهم أحينا بالإسلام وأحي الإسلام بنا ، أنت ولي ذلك والقادر عليه .


( 1 ) ” تيسير الكريم الرحمن ” ( 7 / 216 ) .