حـفـظ الصحــة بالعـســل

الثلاثاء 24 ربيع الأول 1439ﻫ

قال تعالى : { يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ }(النحل: من الآية69)

وفي (( الصحيحين )) من حديث أبي المتوكل ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رجلاً أتى النبي فقال : إن أخي يشتكي بطنه [ وفي رواية : استطلق بطنه ] ، فقال : (( اسقه عسلاً )) ، فذهب ثم رجع ، فقال : قد سقيته فلم يغن عنه شيئاً ، [ وفي لفظ : فلم يزدهُ إلا استطلاقاً – مرتين أو أكثر – ] كل ذلك يقول له : (( اسقه عسلاً )) ، فقال له في الثالثة أو الرابعة : (( صدق الله ، وكذب بطن أخيك )) ([1]) .

ففي الحديث علاج نبوي ناجع لمن أصابه استطلاق في بطنه ، عن تخمة أصابته عن امتلاء ؛ (( فأمره بشرب العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء ، فإن العسل فيه جلاء ، ودفع للفضول ، وكان قد أصاب المعدة اختلاط لزوجة ، تمنع استقرار الغذاء فيها للزوجتها ، فإن المعدة لها خمل كخمل القطيفة ، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة ، أفسدتها ، وأفسدت الغذاء ، فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط، والعسل جلاَّء ، والعسل من أحسن ما عولج به هذا الداء لا سيما إن مزج بالماء الحار )) ([2]) .

وقال ابن القيم – يرحمه الله – : (( وفي تكرار سقيه العسل معنى طبي بديع ، وهو أن الدواء يجب أن يكون له مقدار ، وكمية بحسب حال الداء ، إن قصر عنه ، لم يُزله بالكلية ، وإن جاوزه ، أوهى القوى ، فأحدث ضرراً آخر ، فلما أمره أن يسقيه العسل، سقاه مقداراً لا يفي بمقاومة الداء ، ولا يبلغ الغرض ، فلما أخبره ، علم أن الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة ، فلما تكرر ترداده إلى النبي أكد عليه المعاودة ليصل إلى المقدار المقاوم للداء ، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء ، برأ – بإذن الله – واعتبار مقادير الأدوية ، وكيفياتها ، ومقدار قوة المرض والمريض من أكبر قواعد الطب )) .

وفي قوله : (( صدق الله وكذب بطن أخيك )) ، إشارة إلى تحقيق نفع هذا الدواء ، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه ؛ ولكن لكذب البطن ، وكثرة المادة الفاسدة فيه ، فأمره بتكرار الدواء لكثرة المادة )) ([3]) .

منافع العسل في الطب القديم :

قال ابن سينا : العسل طل خفي يقع على الزهور وعلى غيره ، فيلقطه النحل وهو بخار يصعد ، فينضج في الجو ، فيستحيل ويغلظ في الليل ، فيقع عسلاً ، وقد يقع العسل كما هو بجبال قصران ، ويختلف بحسب ما يقع عليه الشجر والحجر ، وأكثر الظاهر من يلقطه الناس ، والخفي يلقطه النحل ، وأظن أن لتصرف النحل فيه تأثيراً([4]) ، وإنما يلتقطه النحل ليغتذي وليدخره .

ومــن العسل جــنــس حـــرِّيف سُـــمِّـــي …

وأجود العسل : الصادق الحلاوة ، الطيب الرائحة ، المائل إلى الحرافة ، وإلى الحمرة ، المتين الذي ليس برقيق ، اللزج الذي لا ينقطع ، وأجوده الربيعي ، ثم الصيفي ، والشتائي رديء – فيما يقال – .

وعسل النحل حار يابس في الثانية ، وعسل الطبرزد [ السكرنبات ] والقصب الحار في الأولى ليس يابس ، ويجوز أن يكون رطباً في الأولى .

الأفعال والخواص : قوته جالية مفتحة لأفواه العروق، محللة للرطوبات، تجذب الرطوبات من قعر البدن ، وتمنع العفن به والفساد من اللحوم .

والتلطخ به يمنع القمل والصيبان ويقتلها ، ومع القسط لطوخ للكلف خاصة المزمن ، وبالملح لآثار الضربة الباذنجانية ([5]) .

والعسل : ينقي القروح الوسخة الغائرة ، والمطبوخ منه حتى يغلظ يلزق الجراحات الطرية ويخفيها ، ويقوي السمع ، وشم الحريف السمي منه يذهب العقل ، فكيف أكله ؟!

والعسل : يجلو ظلمة البصر ، والتحنك به ، والتغرغر يبرئ الخوانيق وينفع اللوزتين ، وإن شرب العسل سخناً بدهن ورد نفع من نهش الهوام ، ومن شرب الأفيون ، ولعقه علاج عضة الكلب الكَلِب ، والفطر القتال والمطبوخ منه نافع للسموم ([6]) .

وقال الإمام ابن قيم الجوزية :

(( والعسل فيه منافع عظيمة ، فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء وغيرها ، محلل للرطوبات أكلاً وطلاءً ، نافع للمشايخ وأصحاب البلغم ومن كان مزاجه بارداً رطباً ، وهو مغذ ملين للطبيعة ، حافظ لقوى المعاجين ولما استودع فيه ، مذهب لكيفيات الأدوية الكريهة ، منق للكبد والصدر ، مدر للبول ، موافق للسعال الكائن عن البلغم ، وإذا شرب حاراً بدهن الورد نفع من نهش الهوام وشرب الأفيون، وإن شرب وحده ممزوجاً بماء نفع من عضة الكلب وأكل الفطر القتال ، وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر ، وكذلك إن جعل فيه القثاء والخيار والقرع والباذنجان ، ويحفظ كثيراً من الفاكهة ستة أشهر ، ويحفظ جثث الموتى ، ويُسمى الحافظ الأمين ، وإذا لطخ به البدن المقمل والشعر قتل قمله وصئبانه وطول الشعر وحسنه ونعمه ، وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر وإن استن به بيض الأسنان وصقلها وحفظ صحتها وصحة اللثة ، ويفتح أفواه العروق ، ويدر الطمث ، ولعقه على الريق يذهب البلغم ويغسل خمل المعدة ويدفع في الفضلات عنها ، ويسخنها تسخيناً معتدلاً ، ويفتح سددها ، ويفعل ذلك في الكبد والكلى والمثانة ، وهو أقل ضرراً لسدد الكبد والطحال من كل حلو ، وهو مع هذا كله مأمون الغائلة قليل المضار ، مضر بالعرض للصفراويين ودفعها بالخل ونحوه ، فيعود حينئذ نافعاً له جداً ، وهو غذاء مع الأغذية ودواء مع الأدوية ، وشراب مع الأشربة ، وحلو مع الحلوى ، وطلاء مع الأطلية ، ومفرح مع المفرحات ، فما خلق لنا شيء في معناه أفضل منه ، ولا مثله ولا قريباً منه ، ولم يكن معول القدماء إلا عليه لا ذكر فيها للسكر البتة ولا يعرفونه فإنه حديث العهد حدث قريباً ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشربه بالماء على الريق وفي ذلك سر بديع في حفظ الصحة لا يدركه إلا الفطن الفاضل )) ([7]) .

العسل في الطب الحديث :

لقد حظي العسل في الطب الحديث كما حظي من قبل في الطب القديم ، واستفاد الإنسان من التقدم العلمي والتكنولوجي في تحليل العسل ، ومعرفة مزاياه العلاجية ، وقيمته الغذائية والعلاجية ،

وإليك أخي القارئ ما قيل فيه :

قال أحمد قدامة : (( وفي الطب الحديث تبين من تحليل العسل أنه يحوي عناصر ثمينة كثيرة ، أهمها : السكاكر التي اكتشف منها حتى الآن نحو 15 نوعاً – فقط – ، والبروتين والمعادن (الحديد ، النحاس ، الكبريت ، البوتاسيوم ، والمنغنيز ، الفوسفور ، الكلور ، الصوديوم ، الكالسيوم ، السيلكا ، السيليكون ، المغنيسيوم) ، وفيتامينات (ب1 ، ب2 ، ب6 ، ج) ، والخمائر والنيتروجين ، والحوامض ، والزيوت الأثيرية ، والمواد القطرانية .

وفيما يلي نزر قليل من أقوال كبار الأطباء في العالم – اليوم – عن فوائد العسل : قال الطبيب الشهير الدكتور جارفس في كتابه : (( طب الشعوب )) : (( إن التجربة المحققة قد أثبتت أن البكتيريا لا تعيش في العسل ؛ لاحتوائه على مادة البوتاس ، وهي تحرم البكتيريا الرطوبة التي هي مادة حياتها . ويقول : لقد وضع الدكتور (ساكيت) أستاذ البكتيريا في كلية الزراعة في (فورت كولتز) أنواعاً من جراثيم الأمراض في قوارير مملوءة بالعسل الصرف، فماتت جراثيم التفوئيد بعد ثمان وأربعين ساعة ، وماتت جراثيم النزلات الصدرية في اليوم الرابع ، وجراثيم الزنتارية بعد عشر ساعات، وجراثيم أخرى بعد خمس ساعات )) .

وأثبتت تجارب أجريت في (معهد باستور) بفرنسا : أن العسل معقم ومضاد للفساد ، وأن أي جرثوم لا يستطيع أن يعيش فيه طويلاً ؛ لأن درجة تركيزه تجذب الماء من أجسام الجراثيم فتبددها .

وتبين من أبحاث جرثومية أجراها أطباء وعلماء كبار في روسيا أنه لا يفسد ولا يتعفن إذا كان في وعاء مفتوح ؛ لأن فيه مادة لا تمكن الجراثيم ، أو الفطور التي يأتي بها الهواء أن تنمو في العسل ، وأن العصيات التيفية لا تعيش فيه أكثر من 48 ساعة ، والزحارية تموت خلال 10 ساعات ، وعصيات السل يوقف تكاثرها ([8]) .

وذكروا من فوائده الشيء الكثير فمما قالوا :

وصف العسل – نتيجة أبحاث طويلة ودقيقة – بأنه ذو تأثير مدهش في بناء جسم الطفل إذا خلط بلبن المرضعة أو غيره ، فهو يقوي الرضيع ، ويساعده على النمو ، ويطهر جسمه ، ويسهل وظائف أعضائه ، وثبتت فائدة العسل في معالجة الجروح المتقيحة ، والتقرحات الجلدية ، والتهاب الغدد العرقية ، والعظم ، والنقي والحروق ، وعروق الإبط ، وذلك بدهنها بالعسل ، وعولجت الدمامل ، والحميرة الخبيثة بدهنها بالعسل عدة مرات في اليوم بعد تشطيب المكان المصاب ليدخل العسل إلى مكان الداء .

ويوصف العسل اليوم كأحسن علاج لحفظ حيوية الجلد، ونضارة الوجه ، وقوة الشعر وجماله ولمعانه .

ويفيد العسل – خاصة – المفكرين ، والشيوخ الضعفاء ، والأطفال الرضع ، وفي مرض البلاغرا المتصف بخشونة الجلد ، أو الاضطرابات الهضمية والعصبية ، وهو يثبت الكلس في العظام ، ويحمي من الكساح ، ونخر الأسنان ، وتقوس الساقين ، وينظم حركة التنفس ، ويفيد المصابين بأمراض الصدر ، ويلين ويلطف صعوبة البلع والسعال وجفاف الفم ، ويقي من فقر الدم ، وهو ينفع الكبد ، والكليتين ، والالتهابات في المعدة ، والسل الرئوي ، وضيق النفس ، والنزلات الصدرية ، ويفيد في الأمراض التي تصيب الكليتين مصحوبة بالصديد؛ كما يفيد في حالات سوء الهضم والقرحة في المعدة .

والعسل منوّم ، وقد تحدث الطبيب (جارفس) عن مزايا المادة السكرية في العسل فقال : (( إنها لا تهيج قناة الهضم ، وهي سريعة التمثيل ، وتتحول سريعاً إلى طاقة بدنية ، وهي مناسبة للمشتغلين بالألعاب الرياضية ، وهي من بين أنواع السكريات أوفقها للكليتين ، وهي مهدئة ملطفة ، ومساعدة على الهضم ، وتكلم الأطباء عن (الشهد الملوكي) غذاء الملكات ، وعزوا إليه السر العجيب الذي يجعل الملكة تعيش ستة أعوام بينما النحل العادي لا يعيش أكثر من بضعة شهور )) .

… وقد أعلن الأطباء عام 1959م أن الشهد الملوكي يجب أن يعتبر غذاءً ممتازاً مجدداً للحيوية ولا شيء غير ذلك .

وهكذا يعالج اليوم الغذاء (( العجيب )) الضعف ، والشيخوخة ، وتصلب الشرايين ، والشعور بالتعب ، والضعف ، وفقر الدم([9]) ، وأمراض أخرى كثيرة مذكورة في كتب الطب القديم والحديث .

قلت : فالنحلة هذه المخلوقة العجيبة التي سمى باسمها سورة من القرآن ، وأخبرنا عن عالمها ، ومنهجها في الحياة ، ونهى النبي عن قتلها ، وشبهها بالمؤمن ، فهي تأخذ خيراً وتضع خيراً ، وجعل الله في كل ما يخرج من بطنها شفاء : عسلها ، شمعها ، غذاؤها الملكي ، عكبرها ، خبزها وهو

(( حبوب اللقاح )) ، وحتى إبرها فيها شفاء من الروماتزم ، وغيره من الأمراض ، فاستعمال العسل مفيد للوقاية من الأمراض قبل حصولها ، بحفظ الصحة الموجودة ، ودفع العلة المفقودة قبل هجومها ، ونعم الله علينا لا تعد ولا تحصى . فهل نحن من الشاكرين ؟! .


([1]) أخرجه البخاري (10/119) في الطب : باب الدواء والعسل ، ومسلم (2217) .

([2]) (( زاد المعاد )) (4/35) .

([3]) (( زاد المعاد )) (4/35) .

([4]) يلتقط النحل رحيق الأزهار ، وطلع الزهور ، ويحولها في بطنه – بإذن الله تعالى – إلى عسل مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ، كما قال ربنا – جل جلاله – .

([5]) التي لونها يشبه لون الباذنجان .

([6]) (( القانون )) (1/774-776) .

([7]) (( زاد المعاد )) (4/33-34) .

([8]) (( قاموس الغذاء )) (ص407-408) .

([9]) (( قاموس الغذاء )) (ص 408-411) .